فصل: (سورة الذاريات)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ‏}‏ خطاب من الله تعالى للسائل والشهيد بناء على أنهما اثنان لا واحد جامع للوصفين أو للملكين من خزنة النار أو لواحد على أن الألف بدل من نون التوكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف، وأيد بقراءة الحسن ‏{‏القين‏}‏ بنون التوكيد الخفيفة، وقيل‏:‏ إن العرب كثيراً ما يرافق الرجل منهم اثنين فكثر على ألسنتهم أن يقولوا خليلي وصاحبي وقفاً واسعدا حتى خاطبوا الواحد خطاب الإثنين، وما في الآية محمول على ذلك كما حكى عن الفراء أو على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل بأن يكون أصله ألق ألق ثم حذف الفعل الثاني وأبقى ضميره مع الفعل الأول فثنى الضمير للدلالة على ما ذكر كما في قوله‏:‏

فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر *** وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا

وحكى ذلك عن المازني‏.‏ والمبرد ولا يخفى بعده، ولينظر هل هو حقيقة أو مجاز والأظهر أنه خطاب لإثنين وهو المروي عن مجاهد‏.‏ وجماعة، وأياً كان فالكلام على تقدير القول كما مر، والإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه أي تراه ثم صار في التعارف اسماً لكل طرح أي اطرحا في جهنم كل مبالغ في الكفر للمنعم والنعمة ‏{‏جَبَّارٍ عَنِيدٍ‏}‏ مبالغ في العناد وترك الانقياد للحق، وقريب منه قول الحسن‏:‏ جاحد متمرد، وقال قتادة‏.‏ أي منحرف عن الطاعة يقال‏:‏ عند عن الطريق عدل عنه، وقال السدي‏:‏ المشاق من العند وهو عظم يعرض في الحلق، وقال ابن بحر‏:‏ المعجب بما عنده‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ‏}‏ مبالغ في المنع للمال عن حقوقه المفروضة، قال قتادة‏.‏ ومجاهد‏.‏ وعكرمة‏:‏ يعني الزكاة، وقيل‏:‏ المراد بالخير الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة كان يقول لبني أخيه‏:‏ من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بشيء ما عشت، والمبالغة باعتبار كثرة بني أخره أو باعتبار تكرر منعه لهم‏.‏

وضعف بأنه لو كان المراد ذلك كان مقتضى الظاهر مناع عن الخير، وفي «البحر» الأحسن عموم الخير في المال وغيره ‏{‏مُعْتَدٍ‏}‏ ظالم متخط للحق متجاوز له ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ شاك في الله تعالى ودينه، وقيل‏:‏ في البعث‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏الذى جَعَلَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ‏}‏ مبتدأ متضمن لمعنى الشرط خبره ‏{‏فألقياه فِى العذاب الشديد‏}‏ بتأويل فيقال في حقه ألقياه أو لكونه في معنى جواب الشرط لا يحتاج للتأويل أو بدل من ‏{‏كُلَّ كَفَّارٍ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 24‏]‏ أو من ‏{‏كَفَّارٌ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فألقياه‏}‏ تكرير للتوكيد فهو نظير ‏{‏فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ‏}‏ بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 188‏]‏ والفاء ههنا للإشعار بأن الالقاء للصفات المذكورة أو من باب وحقك ثم حقك ينزل التغاير بين المؤكد والمؤكد والمفسر والمفسر منزلة التغاير بين الذاتين بوجه خطابي، ولا يدعي التغاير الحقيقي لأن التأكيد يأباه، وقول أهل المعاني‏:‏ أن بين المؤكد والمؤكد شدة اتصال تمنع من العطف ليس على إطلاقه بسديد، والنحويون على خلافه، فقد قال ابن مالك في «التسهيل»‏:‏ فصل الجملتين في التأكيد بثم إن أمن اللبس أجود من وصلهما، وذكر بعض النحاة الفاء؛ والزمخشري في الجاثية الواو أيضاً، وجعلوا ذلك من التأكيد الإصطلاحي، ولو جعل ‏{‏العذاب الشديد‏}‏ نوعاً من عذاب جهنم ومن أهوله فكان من باب ‏{‏ملائكته‏.‏‏.‏‏.‏ وَجِبْرِيلُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 98‏]‏ دون تكرير لكان كما قال «صاحب الكشف» حسناً‏.‏

وجوز أن يكون مفعولاً بمضمر يفسره ‏{‏فألقياه‏}‏ وقال ابن عطية‏:‏ أن يكون صفة ‏{‏كَفَّارٌ‏}‏ وجاز وصفه بالمعرفة لتخصصه بالأوصاف المذكورة‏.‏ وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز وصفه النكرة بالمعرفة ولو وصفة بأوصاف كثيرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ قرِينُهُ‏}‏ أي الشيطان المقيض له، وإنما استؤنفت هذه الجملة استئناف الجمل الواقعة في حكاية المقاولة لما أنها جواب لمحذوف دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ‏}‏ فإنه مبني على سابقة كلام اعتذر به الكافر كأنه قال‏:‏ هو أطغاني فأجاب قرينه بتكذيبه وإسناد الطغيان إليه بخلاف الجملة الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها دلالة على الجمع بين مفهوميهما في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه‏:‏ ‏{‏وَلَكِن كَانَ‏}‏ هو بالذات ‏{‏فِى ضلال بَعِيدٍ‏}‏ من الحق فاعنته عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير قسر ولا الجاء، فهو كما قدمنا نظير ‏{‏وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏ الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ استئناف مبني على سؤال نشأ مما قبله كأن قيل‏:‏ فماذا قال الله تعالى‏؟‏ فقيل‏:‏ قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ‏}‏ أي في موقف الحساب والجزاء إذ لا فائدة في ذلك ‏{‏وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد‏}‏ على الطغيان في دار الكسب في كتبي وعلى ألسنة رسلي فلا تطمعوا في الخلاص عنه بما أنتم فيه من التعلل بالمعاطير الباطلة، والجملة حال فيها تعليل للنهي ويلاحظ معنى العلم لتحصل المقارنة التي تقتضيها الحالية أي لا تختصموا لدى عالمين أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت لإبليس‏:‏ ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 85‏]‏ فاتبعتموه معرضين عن الحق؛ والباء مزيدة أو معدية على أن قدم بمعنى تقدم وهو لازم يعدي بالباء، وجوز أن يكون ‏{‏قَدَّمْتُ‏}‏ واقعاً على قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ‏}‏ الخ ويكون ‏{‏بالوعيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 28‏]‏ متعلقاً بمحذوف هو حال من المفعول قدم عليه أو الفاعل أي وقد قدمت إليكم هذا القول ملتبساً بالوعيد مقترناً به أو قدمته إليكم موعداً لكم فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي، والأظهر استئناف هذه الجملة‏.‏ وفي ‏{‏لَدَىَّ‏}‏ على ما قال الإمام وجهان‏.‏ الأول‏:‏ أن يكون متعلقاً بالقول أي ما يبدل القول الذي عندي‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون متعلقاً بالفعل قبل أي لا يقع التبديل عندي، قال‏:‏ وعلى الأول في القول الذي لديه تعالى وجوه‏.‏ أحدها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلْقِيَا‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 24‏]‏ أرادوا باعتذارهم أن يبدل ويقول سبحانه‏:‏ لا تلقيا فرد عليهم‏.‏

ثانياً‏:‏ قوله سبحانه لإبليس‏:‏ ‏{‏لاَمْلاَنَّ‏}‏ الخ‏.‏ ثالثها‏:‏ الإيعاد مطلقاً‏.‏ رابعها‏:‏ القول السابق يوم خلق العباد هذا سعيد وهذا شقي‏.‏ وعلى الثاني في معنى الآية وجوه أيضاً‏.‏ أحدها‏:‏ لا يكذب لدى فإني عالم علمت من طغى ومن أطغى فلا يفيد قولكم أطغاني شيطاني وقول الشيطان‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 27‏]‏ ثانيها‏:‏ لو أردتم أن لا أقول‏:‏ ‏{‏فألقياه‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 26‏]‏ كنتم أبدلتم الكفر بالايمان قبل أن تقفوا بين يدي وأما الآن فما يبدل القول لدى‏.‏ ثالثها‏:‏ لا يبدل القول الكفر الإيمان لدى فإن الايمان عند اليأس غير مقبول فقولكم‏:‏ ربنا وإلهنا لا يفيدكم فمن تكلم بكلمة الكفر لا يفيده قوله‏:‏ ربنا ما أشركنا وقوله‏:‏ ربنا آمنا‏.‏ والمشهور أن ‏{‏لَدَىَّ‏}‏ متعلق بالفعل على أنا المراد بالقول ما يشمل الوعد والوعيد‏.‏

واستدل به بعض من قال بعدم جواز تخلفهما مطلقاً‏.‏ وأجاب من قال بجواز العفو عن بعض المذنبين بأن ذلك العفو ليس بتبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعي، د وقال بعض المحققين‏:‏ المراد نفي أن يوقع أحد التبديل لديه تعالى أي في علمه سبحانه أو يبدل القول الذي علمه عز وجل، فإن ما عنده تبارك وتعالى هو ما في نفس الأمر وهو لا يقبل التبديل أصلاً، وأكثر الوعيدات معلقة بشرط المشيئة على ما يقتضيه الكرم وإن لم يذكر على ما يقتضيه الترهيب، فمتى حصل العفو لعدم مشيئة التعذيب لم يكن هناك تبديل ما في نفس الأمر فتدبره فإنه دقيق‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ وارد لتحقيق الحق على أبلغ وجه، وفيه إشارة إلى أن تعذيب من يعذب من العبيد إنما هو عن استحقاق في نفس الأمر، وقد تقدم تمام الكلام في هذه الجملة فتذكر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلات وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ‏}‏ أي اذكر أو أندر يوم الخ فيوم مفعول به لمقدر، وقيل‏:‏ هو ظرف لظلام، وقال الزمخشري‏:‏ يجوز أن ينتصب بـ ‏{‏نفخ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 20‏]‏ كأنه قيل‏:‏ ونفخ في الصور يوم، وعليه يشار بـ ‏{‏ذلك‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 20‏]‏ إلى ‏{‏يَوْمَ نَقُولُ‏}‏ لأن الإشارة إلى ما بعد جائزة لا سيما إذا كانت رتبته التقديم فكأنه قيل‏:‏ ذلك اليوم أي يوم القول يوم الوعيد، ولا يحتاج إلى حذف على ما مر في الوجه الذي أشير به إلى النفخ‏.‏

وهذا الوجه كما قال في «الكشف»‏:‏ فيه بعد لبعده عن العامل وتخلل ما لا يصلح اعتراضاً على أن زمان النفخ ليس يوم القول إلا على سبيل فرضه ممتداً واقعاً ذلك في جزء منه وهذا في جزء وكل خلاف الظاهر فكيف إذا اجتمعت‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ هو بعيد جداً قد فصل عليه بين العامل والمعمول بجمل كثيرة فلا يناسب فصاحة القرآن الكريم وبلاغته، والظاهر إبقاء السؤال والجواب على حقيقتهما، وكذا في نظير ذلك من اتكاء النار والإذن لها بنفسين وتحاج النار والجنة، ونحن متعبدون باعتقاد الظاهر ما لم لا يمنع مانع ولا مانع ههنا، فإن القدرة صالحة والعقل مجوز والظواهر قاضية بوقوع ماجوزه العقل، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس على أمور الدنيا‏.‏

وقال الرماني‏:‏ الكلام على حذف مضاف أي نقول لخزنة جهنم، وليس بشي‏.‏

وقال غير واحد؛ هو من باب التمثيل والمعنى أنها مع اتساعها وتباعد أقطارها نطرح فيها من الجنة والناس فوجاً بعد فوج حتى تمتلىء ولا تقبل الزيادة، فالاستفهام للإنكار أي لا مزيد على امتلائها وروى هذا عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ والحسن، وجوز في نفي الزيادة أن يكون على ظاهره وأن يكون كناية أو مجازاً عن الاستكثار، وقيل‏:‏ المعنى أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها فراغ وخلو، فالاستفهام للتقرير أي فيها موضع للمزيد لسعتها، وجوز أن يكون ذلك كناية عن شدة غيظها على العصاة كأنها طالبة لزيادتهم‏.‏

واستشكل دعوى أن فيها فراغاً بأنه مناف لصريح قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 85‏]‏ الآية‏.‏ وأجيب بأنه لا منافاة لأن الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو طبقة منها عمن يسكنها وإن كان فيها فراغ كثير كما يقال‏:‏ إن البلدة ممتلئة بأهلها ليس فيها دار خالية مع ما بينها من الأبنية والأفضية أو أن ذلك باعتبار حالين فالفراغ في أول الدخول فيها ثم يساق إليها الشياطين ونحوهم فتمتلىء، هذا ويدل غير ما حديث أنها تطلب الزيادة حقيقة إلا أنه لا يدري حقيقة ما يوضع فيها حتى تمتلىء إذ الأحاديث في ذلك من المتشابهات التي لا يراد بها ظواهرها عند الأكثرين‏.‏

أخرج أحمد‏.‏ والبخاري‏.‏ ومسلم‏.‏ والترمذي‏.‏ والنسائي‏.‏ وغيرهم عن أنس قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشى الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في فضول الجنة»

وأخرج الشيخان‏.‏ وغيرهما عن أبي هريرة قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تحاجت الجنة والنار فقالت النار‏:‏ أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة‏:‏ ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة‏:‏ أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار‏:‏ إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فإم النار فلا تمتلى حتى يضع رجله فتقول قط قط فهناك تمتلىء ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحداً وأما الجنة فإن الله تعالى ينشى لها خلقاً» وأول أهل التأويل ذلك، فقال النضر بن شميل‏:‏ إن القدم الكفار الذين سبق في علمه تعالى دخولهم النار والقدم تكون بمعنى المتقدم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدَمَ صِدْقٍ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 2‏]‏ وظاهر الحديث عليه يستدعي دخول غير الكفار قبلهم وهو في غاية البعد؛ ولعل في الأخبار ما ينافيه‏.‏

وقال ابن الأثير‏:‏ قدمه أي الذين قدمهم لها من شرار خلقه فهم قدم الله تعالى للنار كما أن المسلمين قدمه للجنة والقدم كل ما قدمت من خير أو شر وهو كما ترى، ويبعده مافي حديث أحمد‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن مردويه عن أبي سعيد مرفوعاً «فيلقى فيها أي النار أهلها فتقول‏:‏ هل من مزيد ويلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتنزوي وتقول‏:‏ قدني قدني» وأولوا الرجل بالجماعة ومنه ما جاء في أيوب عليه السلام أنه كان يغتسل عرياناً فخر عليه رجل من جراد، والإضافة إلى ضميره تعالى تبعد ذلك، وقيل‏:‏ وضع القدم أو الرجل على الشيء مثل للردع والقمع فكأنه قيل‏:‏ ياتيها أمر الله تعالى فيكفها من طلب المزيد‏.‏

وقريب منه ما ذهب إليه بعض الصوفية أن القدم يكنى بها عن صفة الجلال كما يكنى بها عن صفة الجمال، وقيل‏:‏ أريد بذلك تسكين فورتها كما يقال للأمر‏:‏ تريد إبطاله وضعته تحت قدمي أو تحت رجلي، وهذان القولان أولى مما تقدم والله تعالى أعلم‏.‏ والمزيد إما مصدر ميمي كالمحيد أو اسم مفعول أعل إعلال المبيع‏.‏

وقرأ الأعرج‏.‏ وشيبة‏.‏ ونافع‏.‏ وأبو بكر‏.‏ والحسن‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ وأبو جغفر‏.‏ والأعمش ‏{‏يَوْمَ يَقُولُ‏}‏ بياء الغيبة‏.‏ وقرأ عبد الله‏.‏ والحسن‏.‏ والأعمش أيضاً ‏{‏يُقَالُ‏}‏ مبنياً للمفعول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ أخذ في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين؛ وهو عطف على ‏{‏نفخ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 20‏]‏ أي قربت للمتقين عن الكفر والمعاصي ‏{‏غَيْرَ بَعِيدٍ‏}‏ أي في مكان غير بعيد بمرأى منهم بين يديهم وفهي مبالغة ليست في التخلية عن الظرف فغير بعيد صفة لظرف متعلق بأزلفت حذف فقام مقام وانتصب انتصابه، ولذلك لم يقل غير بعيدة، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية والأصل وأزلفت إزلافاً غير بعيد، قال الإمام‏:‏ أي عن قدرتنا وإن يكون حالاً من الجنة قصد به التوكيد كما تقول‏:‏ عزيز غير ذليل لأن العزة تنافي الذل ونفي مضاد الشيء تأكيد إثباته، وفيه دفع توهم أن ثم تجوزا أو شوبا من الضد ولم يقل‏:‏ غير بعيدة عليه قيل‏:‏ لتأويل الجنة بالبستان، وقيل‏:‏ لأن البعيد على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المؤنث والمذكر كالزئير والصليل فعومل معاملته وأجرى مجراه، وقيل‏:‏ لأن فعيلاً بمعنى فاعل قد يجري مجرى فعيل بمعنى مفعول فيستوي فيه الأمران، وللإمام في تقريب الجنة أوجه‏.‏ منها طي المسافة التي بينها وبين المتقين مع بقاء كل في مكانه وعدم انتقاله عنه ولكرامة المتقين قيل‏:‏ ‏{‏أُزْلِفَتْ الجنة لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ دون وأزلف المتقون للجنة، ومنها أن المراد تقريب حصولها والدخول فيها دون التقريب المكاني، وفيه ما فيه، ومنها أن التقريب على ظاهره والله عز وجل قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض أي إلى جهة السفل أو الأرض المعروفة بعد مدها، وقول بعض‏:‏ إن المرا إظهارها قريبة منها على نحو إظهارها للنبي صلى الله عليه وسلم في عرض حائط مسجده الشريف على ما فيه منزع صوفي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏هذا مَا تُوعَدُونَ‏}‏ إشارة إلى الجنة، والتذكير لما أن المشار إليه هو المسمى من غير قصد لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ العربي كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 78‏]‏ وقوله سحبانه‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏]‏؛ ويجوز أن يكون ذلك لتذكير الخبر، وقيل‏:‏ هو إشارة إلى الثواب‏.‏ وقيل‏:‏ إلى مصدر ‏{‏أُزْلِفَتْ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 31‏]‏ والجملة بتقدير قول وقع حالاً من المتقين أو من الجنة والعامل أزلفت أي مقولاً لهم أو مقولاً في حقها هذا ما توعدون، أو اعتراض بين المبدل منه أعني ‏{‏لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ والبدل أعني الجار والمجرور وفيه بعد‏.‏

وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية، وقرأ ابن كثير‏.‏ وأبو عمرو ‏{‏يُوعَدُونَ‏}‏ بياء الغيبة، والجملة على هذه القراءة قيل‏:‏ اعتراض أوحال من الجنة؛ وقال أبو حيان‏:‏ هي اعتراض، والمراد هذا القول هو الذي وقع الوعد به وهو كما ترى، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِكُلّ أَوَّابٍ‏}‏ أي رجاع إلى الله تعالى بدل من المتقين بإعادة الجار أومن ‏{‏لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ على أن يكون الجار والمجرور بدلاً من الجار والمجرور ‏{‏حَفِيظٌ‏}‏ حفظ ذنوبه حتى رجع عنها كما روى عن ابن عباس‏.‏ وسعيد بن سنان، وقريب مه ما أخرج سعيد بن منصور‏.‏ وابن أبي شيبة‏.‏ وابن المنذر عن يونس بن خباب قال‏:‏ قال لي مجاهد‏:‏ ألا أنبئك بالأواب الحفيظ‏؟‏ هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا فيستغفر الله تعالى‏.‏

وأخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ أي حفيظ لما استودعه الله تعالى من حقه ونعمته‏.‏ وأهرج ابن أبي شيبة‏.‏ وابن المنذر عن عبيد بن عمير كنا نعد الأواب الحفيظ الذي يكون في المجلس فإذا أراد أن يقوم قال‏:‏ اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا‏.‏ وقيل‏:‏ هو الحافظ لتوبته من النقض ولا ينافيه صيغة ‏{‏أَوَّابٌ‏}‏ كما لا يخفى‏.‏ وقوله تعالى شأنه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏مَّنْ خَشِىَ الرحمن بالغيب وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ‏}‏ بدل من ‏{‏كل‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 32‏]‏ المبدل من المتقين أو بدل ثان من ‏{‏المتقين‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 31‏]‏ بناء على جواز تعدد البدل والمبدل منه واحد‏.‏ وقول أبي حيان‏:‏ تكرر البدل والمبدل منه واحد لا يجوز في غير بدل البداء، وسره أنه في نية الطرح فلا يبدل منه مرة أخرى غير مسلم، وقد جوزه ابن الحاجب في أماليه، ونقله الدماميني في أول شرحه للخزرجية وأطال فيه، وكون المبدل منه في نية الطرح ليس على ظاهره، أو بدل من موصوف ‏{‏أَوَّابٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 32‏]‏ أي لكل شخص أواب بناء على جواز حذف المبدل منه، وقد جوزه ابن هشام في «المغنى» لا سيما وقد قامت صفته مقامه حتى كأنه لم يحذف ولم يبدل من ‏{‏أَوَّابٌ‏}‏ نفسه لأن أواباً صفة لمحذوف كما سمعت فلو أبدل منه كان للبدل حكمه فيكون صفة مثله، و‏{‏مِنْ‏}‏ اسم موصول والأسماء الموصولة لا يقع منها صفة إلا الذي على الأصح، وجوز بعض الوصف بمن أيضاً لكنه قول ضعيف أو مبتدأ خبره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏ادخلوها‏}‏ بتأويل يقال لهم ادخلوها لمكان الإنشائية والجمع باعتبار معنى ‏{‏من‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 33‏]‏ وقوله تعالى ‏{‏بالغيب‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 33‏]‏ متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ‏{‏خَشِىَ‏}‏ أو من مفعوله أو صفة لمصدره أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه سبحانه وهو غائب عنه أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد، وقيل‏:‏ الباء للآلة، والمراد بالغيب القلب لأنه مستور أي من خشي الرحمن بقلبه دون جوارحه بأن يظهر الخشية وليس في قلبه منها شيء وليس بشيء‏.‏

والتعرض لعنوان الرحمانية للاشعار بأنهم مع خشيتهم عقابه عز وجل راجون رحمته سبحانه أو بأن علمهم بسعة رحمته تبارك وتعالى لا يصدهم عن خشيته جل شأنه، وقال الإمام‏:‏ يجوز أن يكون لفظ ‏{‏الرحمن‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 33‏]‏ إشارة إلى مقتضى الخشية لأن معنى الرحمن واهب الوجود بالخلق والرحيم واهب البقاء بالرزق وهو سبحانه في الدنيا رحمن حيث أوجدنا ورحيم حيث أبقانا بالرزق فمن يكون منه الوجود ينبغي أن يكون هو المخشيء وما تقدم أولى‏.‏

والباء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِقَلْبٍ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 33‏]‏ للمصاحبة، وجوز أن تكون للتعدية أي أحضر قلباً منيباً، ووصف القلب بالإنابة مع أنها يوصف بها صاحبه لما أن العبرة رجوعه إلى الله تعالى، وأغرب الإمام فجوز كون الباء للسببية فكأنه قيل‏:‏ ما جاء إلا بسبب آثار العلم في قلبه أن لا مرجع إلا الله تعالى فجاء بسبب قلبه المنيب وهو كما ترى، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِسَلامٍ‏}‏ متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ‏{‏ادخلوها‏}‏ والباء للملابسة، والسلام إما من السلامة أو من التسليم أي ادخلوها ملتبسين بسلامة من العذاب وزوال النعم أو بتسليم وتحية من الله تعالى وملائكته ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى الزمان الممتد الذي وقع في بعض منه ما ذكر من الأمور ‏{‏يَوْمُ الخلود‏}‏ البقاء الذي لا انتهاء له إبداً أو إشارة إلى وقت الدخول بتقدير مضاف أي ذلك يوم ابتداء الخلود وتحققه أو يوم تقدير الخلود أو إشارة إلى وقت السلام بتقدير مضاف أيضاً أي ذلك يوم إعلام الخلود أي الإعلام به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏لَهُم مَّا يَشَاءونَ‏}‏ من فنون المطالب كائناً ما كان ‏{‏فِيهَا‏}‏ متعلق بيشاؤن، وقيل‏:‏ بمحذوف هو حال من الموصول أو من عائدة المحذوف من صلته ‏{‏وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ‏}‏ هو ما لا يخطر ببالهم ولا يندرج تحت مشيئتهم من معالي الكرامات التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومنه كما أخرجه ابن أبي حاتم عن كثير بن مرة أن تمر السحابة بهم فتقول؛ ماذا تريدون فأمطره عليكم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرته عليهم‏.‏ وأخرج البيهقي في الرؤية‏.‏ والديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ‏}‏ قال‏:‏ «يتجلى لهم الرب عز وجل»

وأخرج ابن المنذر‏.‏ وجماعة عن أنس أنه قال في ذلك يضاً‏:‏ يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل جمعة، وجاء في حديث أخرجه الشافعي في الأم وغيره أن يوم الجمعة يدعى يوم المزيد، وقلي‏:‏ المزيد ازواج من الحور العين عليهن تيجان أدنى لؤلؤة منها تضيء ما بين المشرق والمغرب وعلى كل سبعون حلة وأن الناظر لينفذ بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وقيل‏:‏ هو مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ‏}‏ أي كثيراً أهلكنا قبل قومك ‏{‏مّن قَرْنٍ‏}‏ قوماً مقترنين في زمن واحد ‏{‏هُمْ مِنْهُم بَطْشاً‏}‏ أي قوة كما قيل أو أخذاً شديداً في كل شيء كعاد وقوم فرعون ‏{‏فَنَقَّبُواْ فِى البلاد‏}‏ ساروا في الأرض وطوفوا فيها حذار الموت، فاتنقيب السير وقطع المسافة كما ذكره الراغب‏.‏ وغيره، وأنشدوا للحرث بن حلزة‏:‏

نقبوا في البلاد من حذر المو *** ت وجالوا في الأرض كل مجال

ولامرىء القيس‏:‏

وقد نقبت في الآفاق حتى *** رضيت من الغنيمة بالإياب

وروى وقد طوفت، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك فقال‏:‏ هو هربوا بلغة اليمن، وأنشد له بيت الحرث المذكور لكنه نسبه لهدى بن زيد، وفسر التنقيب في البلاد بالتصرف فيها بملكها ونحوه، وشاع التنقيب في العرف بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏ وأما قولهم‏:‏ كلب نقيب فهو بمعنى منصوب أي نقبت غلصمته ليضعف صوته، والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه المروي عن ابن عباس لمجرد التعقيب، وعلى تفسيره بالتصرف للسببية لأن تصرفهم في البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم، وهي على الوجهين عاطفة على معنى ما قبلها كأنه قيل‏:‏ اشتد بطشهم فنقبوا وقيل‏:‏ هي على ما تقدم أيضاً للسببية والعطف على ‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا‏}‏ على أن المراد أخذنا في إعلاكهم فنقبوا في البلاد ‏{‏هَلْ مِن مَّحِيصٍ‏}‏ على إضمار قول هو حال من واو ‏{‏نقبوا‏}‏ أي قائلين هل لنا مخلص من الله تعالى أو من الموت‏؟‏ أو على إجراء التنقيب لما فيه من معنى التتبع والتفتيش مجرى القوى على ما قيل أو هو كلام مستأنف لنفي أن يكون لهم محيص أي هل لهم مخلص من الله عز وجل أو من الموت، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏نقبوا‏}‏ لأهل مكة أي ساروا في مسايرهم وأسفارهم في بلاد القرون المهلكة فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم‏.‏

وأيد بقراءة ابن عباس‏.‏ وابن يعمر‏.‏ وأبي العالية‏.‏ ونصر بن سيار‏.‏ وأبي حيوة‏.‏ والأصمعي عن أبي عمرو ‏{‏بَطْشاً فَنَقَّبُواْ‏}‏ على صيغة الأمر لأن الأمر للحاضر وقت النزول من الكفار وهم أهل مكة لا غير والأصل توافق القرائتين، وفيه على هذه القراءة التفات من الغيبة إلى الخطاب‏.‏ وقرأ ابن عباس أيضاً‏.‏ وعبيد عن أبي عمرو ‏{‏فَنَقَّبُواْ‏}‏ بفتح القاف مخففة، والمعنى كما في المشددة، وقرىء بكسر القاف خفيفة من النقب محركاً، وهو أن ينتقب خف البعير ويرق من كثرة السير، قال الراجز‏:‏

اقسم بالله أبو حفص عمر *** ما مسها من نقب ولا دبر

والكلام بتقدير مضاف أي نقبت أقدامهم، ونقب الأقدام كناية مشهورة عن كثرة السير فيؤل المعنى إلى أنهم أكثروا السير في البلاد أونقبت أخفاف مراكبهم والمراد كثرة السير أيضاً، وقد يستغني عن التقدير بجعل الإسناد مجازياً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ أي الإهلاك أو ما ذكر في السورة ‏{‏لِذِكْرِى‏}‏ لتذكرة وعظة ‏{‏لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ‏}‏ أي قلب واع يدرك الحقائق فإن الذي لا يعي ولا يفهم بمنزلة العدم، وفي «الكشف» ‏{‏لّمَن كَانَ‏}‏ الخ تمثيل ‏{‏أَوْ أَلْقَى السمع‏}‏ أي أصغي إلى ما يتلى عليه من الوحي ‏{‏وَهُوَ شَهِيدٌ‏}‏ أي حاضر على أنه من الشهود بمعنى الحضور، والمراد به المتفطن لأن غير المتفطن منزلة منزلة الغائب فهو إما استعارة أو مجاز مرسل والأول أولى، وجوز أن يكون من الشهادة وصفاً للمؤمن للأنه شاهد على صحة المنزل وكونه وحياً من الله تعالى فيبعثه على حسن الإصغاء أو وصفاً له من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ كأنه قيل‏:‏ وهو من جملة الشهداء أي المؤمنين من هذه الأمة فهو كناية على الوجهين، وجوز على الأول منهما أن لا يكون كناية على أن المراد وهو شاهد شهادة عن إيقان لا كشهادة أهل الكتاب‏.‏

وعن قتادة المعنى لمن سمع القرآن من أهل الكتاب وهو شاهد على صدقه لما يجده في كتابه من نعته، والأنسب بالمساق والأملأ بالفائدة الأخذ من الشهود، والوجه جعل ‏{‏وَهُوَ شَهِيدٌ‏}‏ حالاً من ضمير الملقى لا عطفاً على ‏{‏ألقى‏}‏ كما لا يخفى على من له قلب أو القى السمع وهو شهيد، والمراد أن فيما فعل بسوالف الأمم أو في المذكور إماماً من الآيات لذكرى لاحدى طائفتين من له قب يفقه عن الله عز وجل ومن له سمع مصغ مع ذهن حاضر أي لمن له استعداد القبول عن الفقيه إن لم يكن فقيهاً في نفسه، و‏{‏أَوْ‏}‏ لمنع الخلو من حيث أنه يجوز أن يكون الشخص فقيهاً ومستعداً للقبول من الفقيه، وذكر بعضهم أنها لتقسيم المتذكر إلى تال وسامع أو إلى فقيه ومتعلم أو إلى عالم كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمل فيما عنده وقاصر محتاج للتعلم فيتذكر إذا أقبل بكليته وأزال الموانع بأسرها فتأمل‏.‏

وقرأ السلمي‏.‏ وطلحة‏.‏ والسدي‏.‏ وأبو البرهسم ‏{‏أَوْ أَلْقَى‏}‏ مبنياً للمفعول ‏{‏السمع‏}‏ بالرفع على النيابة عن الفاعل؛ والفاعل المحذوف اما المعبر عنه بالموصول أولاً، وعلى الثاني معناه لمن ألقى غيهر السمع وفتح أذنه ولم يحضر ذهنه، وأما هو فقد ألقى وهو شاهد متفطن محضر ذهنه، فالوصف أعني الشهود معتمد الكلام، وإنما أخرج في الآية بهذه العبارة للمبالغة في تفظنه وحضوره، وعلى الأول معناه لمن ألقى سمعه وهو خحاضر متفطن، ثم لو قدر موصول آخر بعد ‏{‏أَوْ‏}‏ فذو القلب والملقى غير أن شخصاً ولو لم يقدر جاز أن يكونا شخصين وأن يكونا شخصاً باعتبار حالين حال تفطنه بنفسه وحال إلقائه السمع عن حضور إلى متفطن بنفسه لأن ‏{‏مِنْ‏}‏ عام يتناول كل واحد واحد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ من أصناف المخلوقات ‏{‏فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏}‏ تقدم الكلام فيها ‏{‏وَمَا مَسَّنَا‏}‏ وما أصابنا بذلك مع كونه مما لا تفي به القوى والقدر ‏{‏مِن لُّغُوبٍ‏}‏ تعب ما فالتنوين للتحقير، وهذا كما قال قتادة‏.‏ وغيره رد على جهلة اليهود زعموا أنه تعالى شأنه بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش سبحانه وتعالى عما يقولون علوّاً كبيراً‏.‏

وعن الضحاك أن الآية نزلت لما قالوا ذلك، ويحكى أنهم يزعمون أنه مذكور في التوراة، وجملة ‏{‏وَمَا مَسَّنَا‏}‏ الخ تحتمل أن تكون حالية وأن تكون استئنافية، وقرأ السلمي‏.‏ وطلحة‏.‏ ويعقوب ‏{‏لُغُوبٌ‏}‏ بفتح اللام بزنة القبول والولوع وهو مصدر غير مقيس بخلاف مضموم اللام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏فاصبر على مَا يَقُولُونَ‏}‏ أي ما يقول المشركون في شأن البعث من الأباطيل المبنية على الاستبعاد والإنكار فإن من قدر على خلق العالم في تلك المدة اليسيرة بلا إعياء قادر على بعثهم والانتقام منهم، أو على ما يقول اليهود من مقالة الكفر والتشبيه‏.‏

والكلام متعلق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 38‏]‏ الخ على الوجهين، وفي «الكشف» أنه على الأول متعلق بأول السورة إلى هذا الموضع وأنه أنسب من تعلقه بلقد خلقنا الآية لأن الكلام مرتبط بعضه ببعض إلى ههنا على ما لا يخفى على المسترشد‏.‏

وأنت تعلم أن الأقرب تعلقه على الوجهين بما ذكرنا ‏{‏وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ‏}‏ أي نزهه تعالى عن العجز عما يمكن وعن وقوع الخلف في أخباره التي من جملتها الأخبار بوقوع البعث وعن وصفه عز وجل بما يوجب التشبيه، أو نزهه عن كل نقص ومنه ما ذكر حامداً له تعالى على ما أنعم به عليك من إصابة الحق وغيرها‏.‏

‏{‏قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب‏}‏ هما وقتا الفجر والعصر وفضليتهما مشهورة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ اليل‏}‏ مفعول لفعل محذوف يفسره ‏{‏فَسَبّحْهُ‏}‏ باعتبار الاتحاد النوعي، والعطف للتغاير الشخصي أي وسبحه بعض الليل فسبحه أو مفعول لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحه‏}‏ على أن الفاء جزائية والتقدير مهما يكن من شيء فسبحه بعض الليل، وقدم المفعول للاهتمام به وليكون كالعوض عن المحذوف ولتتوسط الفاء الجزائية كما هو حقها، ولعل المراد بهذا البعض السحر فإن فضله مشهور ‏{‏فَسَبّحْهُ وأدبار السجود‏}‏ وأعقاب الصلاة جمع دبر بضم فسكون أو دبر بضمتين‏.‏

وقرأ ابن عباس‏.‏ وأبو جعفر‏.‏ وشيبة‏.‏ وعيسى‏.‏ والأعمش‏.‏ وطلحة‏.‏ وشبل‏.‏ والحرميان ‏{‏ادبار‏}‏ بكسر الهمزة وهو مصدر تقول‏:‏ أدبرت الصلاة إدباراً انقضت وتمت، والمعنى ووقت انقضاء السجود كقولهم‏:‏ آتيك خفوق النجم‏.‏ وذهب غير واحد إلى أن المراد بالتسبيح الصلاة على أنه من إطلاق الجزء أو اللازم على الكل أو الملزوم، وعليه فالصلاة قبل الطلوع الصبح وقبل الغروب العصر، قاله قتادة‏.‏ وابن زيد‏.‏ والجمهور، وأخرجه الطبراني في «الأوسط»‏.‏ وابن عساكر عن جرير بن عبد الله مرفوعا، ومن الليل صلاة العتمة وإدبار السجود النوافل بعد المكتوبات أخرجه ابن جرير عن ابن زيد، وقال ابن عباس‏:‏ الصلاة قبل الطلوع الفجر وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل العشاءان وإدبار السجود النوافل بعد الفرائض، وفي روية أخرى عنه الوتر بعد العشاء، وفي أخرى عنه أيضاً‏.‏ وعن عمر‏.‏ وعلي‏.‏ وابنه الحسن‏.‏ وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم‏.‏ والشعبي‏.‏ وإبراهيم‏.‏ ومجاهد والأوزاعي ركعتان بعد المغرب، وأخرجه مسدد في مسنده‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً، وقال مقاتل‏:‏ ركعتان بعد العشاء يقرأ في الأولى ‏{‏قُلْ ياأهل أَيُّهَا الكافرون‏}‏ ‏[‏الكافرون‏:‏ 1‏]‏ وفي الثانية ‏{‏قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1‏]‏، وقيل‏:‏ من الليل صلاة العشاءين والتهجد، وعن مجاهد صلاة الليل، وفيه احتمال العموم لصلاة العشاءين والخصوص بالتهجد وهو الأظهر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏واستمع‏}‏ أمر بالاستماع، والظاهر أنه أريد به حقيقته، والمستمع له محذوف تقديره واستمع لما أخبره به من أهوال يوم القيامة، وبين ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُنَادِ المناد‏}‏ إلى آخره، وسلك هذا لما في الإبهام ثم التفسير من التهويل والتعظيم لشأن المخبر به، وانتصب ‏{‏يَوْمٍ‏}‏ بما دل عليه ‏{‏ذَلِكَ يَوْمُ الخروج‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 42‏]‏ أي يوم ينادي المنادى يخرجون من القبور، وقيل‏:‏ المفعول محذوف تقديره نداء المنادى، وقيل‏:‏ تقديره نداء الكافرين بالويل والثبور و‏{‏يَوْمٍ‏}‏ ظرف لذلك المحذوف، وقيل‏:‏ لا يحتاج ذلك إلى مفعول والمعنى كن مستمعاً ولا تكن غافلاً، وقيل‏:‏ معنى استمع انتظر، والخطاب لكل سامع، وقيل‏:‏ للرسول عليه الصلاة والسلام و‏{‏وم‏}‏ منتصب على أنه مفعول به لاستمع أي أنتظر يوم ينادي المنادي فإن فيه تبين صحة ما قلته كما تقول لمن تعد بورود فتح‏:‏ استمع كذا وكذا‏.‏ والمنادى على ما في بعض الآثار جبريل عليه السلام بنفخ إسرافيل في الصور وينادي جبريل يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والشعور المتقطعة إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب‏.‏ وأخرج ابن عساكر‏.‏ والواسطي في فضائل بيت المقدس عن يزيد بن جابر أن إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور فيقول‏:‏ يا أيتها العظام النخرة إلى آخره فيكون المراد بالمنادى هو عليه السلام‏.‏ وفي «الحواشي الشهابية» الأول هو الأصح ‏{‏مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ‏}‏ هو صخرة بيت المقدس على ما روى عن يزيد بن جابر‏.‏ وكعب‏.‏ وابن عباس‏.‏ وبريدة‏.‏ وقتادة، وهي على ما روى عن كعب أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً‏.‏

وفي «الكشاف» أنها أقرب إليها باقنين عشر ميلاً وهي وسط الأرض، وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل إلا بوحي، ثم إن كونها وسط الأرض مما تأباه القواعد في معرفة العروض والأطوال، ومن هنا قيل‏:‏ المراد قريب ممن يناديهم فقيل‏:‏ ينادي من تحت أقدامهم، وقيل‏:‏ من منابت شعورهم فيسمع من كل شعرة يا أيتها العظام النخرة الخ، ومن الناس من قال‏:‏ المراد بقربه كون النداء منه لا يخفى على أحد بل يستوي في سماعه كل أحد، والنداء في كل ذلك على حقيقته، وجوز أن يكون في الإعادة نظير كن في الابتداء على المشهور فهو تمثيل لإحياء الموتى بمجرد الإرادة ولا نداء ولا صوت حقيقة، ثم إن ما ذكرناه من أن المنادي ملك وأنه ينادي بما سمعت هو المأثور، وجوز أن يكون نداؤه بقوله للنفس‏:‏ ارجعي إلى ربك لتدخلن مكانك من الجنة أو النار أو هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وأن يكون المنادى هو الله تعالى ينادي ‏{‏احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 22‏]‏ أو ‏{‏أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 24‏]‏ مع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ادخلوها بِسَلامٍ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 34‏]‏ أو ‏{‏خُذُوهُ فَغُلُّوهُ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 30‏]‏ أو ‏{‏أَيْنَ شُرَكَائِىَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 27‏]‏ أو غير ذلك، وأن يكون غيره تعالى وغير الملك من المكلفين ينادي ‏{‏يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 77‏]‏ أو ‏{‏أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 50‏]‏ أو غير ذلك، والمعول عليه ما تقدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصيحة‏}‏ وهي النفخة الثانية، و‏{‏يَوْمٍ‏}‏ بدل من ‏{‏يَوْمَ يُنَادِ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 41‏]‏ الخ، والعامل فيهما ما دل عليه ‏{‏ذَلِكَ يَوْمُ الخروج‏}‏ كما تقدم، وجوز أن يكون ظرفاً لما دل عليه ذلك و‏{‏يَوْمٍ يُنَادِى‏}‏ غير معمول له بل لغيره على ما مر، وأن يكون ظرفاً لينادي، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ في موضع الحال من ‏{‏الصيحة‏}‏ أي يسمعونها ملتبسة بالحق الذي هو البعث، وجوز أن يكون ‏{‏الحق‏}‏ بمعنى اليقين والكلام نظير صاح بيقين أي وجد منه الصياح يقيناً لا كالصدى وغيره فكأنه قيل‏:‏ الصيحة المحققة، وجوز أن يكون الجار متعلقاً بيسمعون على أن المعنى يسمعون بيقين، وأن يكون الباء للقسم و‏{‏الحق‏}‏ هو الله تعالى أي يسمعون الصيحة أقسم بالله وهو كما ترى ‏{‏ذلك‏}‏ أي اليوم ‏{‏يَوْمُ الخروج‏}‏ من القبور وهو من أسماء يوم القيامة‏.‏

وقيل‏:‏ الإشارة إلى النداء واتسع في الظرف فجعل خبراً عن المصدر، أو الكلام على حذف مضاف أي ذلك النداء نداء يوم الخروج أو وقت ذلك النداء يوم الخروج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ‏}‏ في الدنيا من غير أن يشاركنا في ذلك أحد ‏{‏وَإِلَيْنَا المصير‏}‏ الرجوع للجزاء في الآخرة لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ الارض عَنْهُمْ‏}‏ بدل بعد بدل، ويحتمل أن يكون ظرفاً للمصير أي ألينا مصيرهم في ذلك اليوم أو لما دل عليه ‏{‏ذَلِكَ حَشْرٌ‏}‏ أي يحشرون يوم تشقق‏.‏ وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر ‏{‏تشق‏}‏ بشد الشين وقرىء ‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ‏}‏ بضم التاء مضارع شققت على البناء للمفعول و‏{‏تنشق‏}‏ مضارع انشقت‏.‏ وقرأ زيد بن علي ‏{‏تتشقق‏}‏ بتاءين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَنْهُمْ سِرَاعاً‏}‏ مصدر وقع حالاً من الضمير في ‏{‏عَنْهُمْ‏}‏ بأتويل مسرعين والعامل «تشقق» وقيل‏:‏ التقدير يخرجون سراعاً فتكون حالاً من الواو والعامل يخرحج، وحكاه أبو حيان عن الحوفي ثم قال‏:‏ ويجوز أن يكون هذا المقدر عاملاً في ‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ‏}‏ أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال في الآية‏:‏ تمطر السماء عليهم حتى تنشق الأرض عنهم، وجاء إن أول من تنشق عنه الأرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج الترمذي وحسنه‏.‏ والطبراني‏.‏ والحاكم واللفظ له عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر وعمر ثم أهل البقيع فيحشرون معى ثم أنتظر أهل مكة وتلا ابن عمر ‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ الارض عَنْهُمْ سِرَاعاً‏}‏ ‏"‏ ‏{‏ذَلِكَ حَشْرٌ‏}‏ بعث وجمع ‏{‏عَلَيْنَا يَسِيرٌ‏}‏ أي هين، وتقديم الجار والمجرور لتخصيص اليسر به عز وجل فإنه سبحانه العالم القادر لذاته الذي لا يشغله شأن عن شأن ‏{‏نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏ من نفي البعث وتكذيب الآيات الناطقة وغير ذلك مما لا خير فيه، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ‏}‏ أي ما أنت مسلط عليهم تقسرهم على الايمان أو تفعل بهم ما تريد وأنما أنت منذر، فالباء زائدة في الخبر و‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ متعلق به‏.‏

ويفهم من كلام بعض الأجلة جواز كون ‏{‏جَبَّارٍ‏}‏ من جبره على الأمر قهره عليه بمعنى أجبره لا من أجبره إذ لم يجيء فعال بمعنى مفعل من أفعل إلا فيما قل كدراك وسراع، وقال علي بن عيسى‏:‏ لم يسمع ذلك إلا في دراك‏.‏

وقيل‏:‏ جبار من جبر بمعنى أجبر لغة كنانة وإن ‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ متعلق بمحذوف وقع حال أي ما أنت جبار تجبرهم على الايمان والياً عليهم، وهو محتمل للتضمين وعدمه فلا تغفل، وقيل‏:‏ أريد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم، وعليه قيل‏:‏ الآية منسوخة، وقيل‏:‏ هي منسوخة على غيره أيضاً بآية السيف ‏{‏فَذَكّرْ القرءان مِن يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏ فإنه لا ينتفع به غيره، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ «قالوا يا رسول الله لوخوفتنا فنزلت فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» وما أنسب هذا الاختتام بالافتتاح بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ق والقرءان المجيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 1‏]‏ هذا وللشيخ الأكبر قدس سره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 15‏]‏ ولغير واحد من الصوفية في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 16‏]‏ كلام أشرنا إليه فيما سبق، ومنهم من يجعل ‏{‏ق‏}‏ إشارة إلى الوجود الحق المحيط بجميع الموجودات ‏{‏والله من ورائهم محيط‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 20‏]‏ وقيل‏:‏ هو إشارة إلى مقامات القرب، وقيل‏:‏ غير ذلك، وطبق بعضهم سائر آيات السورة على مافي الأنفس وهو مما يعلم بأدنى التفات ممن له أدنى ممارسة لكلامهم والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل‏.‏

‏[‏سورة الذاريات‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ‏(‏1‏)‏‏}‏

بسْم الله الرحمن الرحيم ‏{‏والذريات ذَرْواً‏}‏ أي الرياح التي تذروا التراب وغيره من ذرا المعتل بمعنى فرق وبدد ما رفعه عن مكانه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏فالحاملات وِقْراً‏}‏ أي حملاً وهي السحب الحاملة للمطر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏فالجاريات يُسْراً‏}‏ أي جرياً سهلاً إلى حيث سيرت وهي السفن

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏فالمقسمات أَمْراً‏}‏ هي الملائكة الذين يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، وتفسير كل بما به قد صح روايته من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه، وفي بعض الروايات أن ابن الكواء سأله عن ذلك وهو رضي الله تعالى عنه يخطب على المنبر فأجاب بما ذكر، وفي بعض الأخبار ما يدل على أنه تفسير مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

أخرج البزار‏.‏ والدارقطني في «الافراد»‏.‏ وابن مردويه‏.‏ وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ «جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال‏:‏ أخبرني عن ‏{‏والذريات ذَرْواً‏}‏ قال‏:‏ هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال‏:‏ فأخبرني عن ‏{‏فالحاملات وِقْراً‏}‏ قال‏:‏ هي السحاب ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال‏:‏ فأخبرني عن ‏{‏أَمْرِنَا يُسْراً‏}‏ قال‏:‏ هي السفن ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال‏:‏ فأخبرني عن ‏{‏لَكَ أمْراً‏}‏ قال‏:‏ هي الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى وحمله على قتل وكتب إلى أبي موسى الأشعري امنع الناس من مجالسته فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالايمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً فكتب إلى عمر رضي الله تعالى عنه ما أخاله إلا قد صدق فخلى بينه وبين مجالسة الناس»‏.‏

ويدل هذا أن الرجل لم يكن سليم القلب وأن سؤاله لم يكن طلباً للعلم وإلا لم يصنع به عمر رضي الله تعالى عنه ما صنع‏.‏

وفي رواية عن ابن عباس أن الحاملات هي السفن الموقرة بالناس وأمتعتهم، وقيل‏:‏ هي الحوامل من جميع الحيوانات، وقيل‏:‏ الجاريات السحب تجري وتسير إلى حيث شاء الله عز وجل، وقيل‏:‏ هي الكواكب التي تجري في منازلها وكلها لها حركة وإن اختلفت سرعة وبطأ كما بين في موضعه، وقيل‏:‏ هي الكواكب السبعة الشهيرة وتسمى السيارة، وقيل‏:‏ ‏{‏الذاريات‏}‏ النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد كأنه شبه تتابع الأولاد بما يتطاير من الرياح، وباقي المتعاطفات على ما سمعت أولاً، وقيل‏:‏ ‏{‏الذاريات‏}‏ هي الأسباب التي تذري الخلائق على تشبيه الأسباب المعدة للبروز من العدم بالرياح المفرقة للحبوب ونحوها، وقيل‏:‏ الحاملات الرياح الحاملة للسحاب، وقيل‏:‏ هي الأسباب الحاملة لمسبباتها مجازاً، وقيل‏:‏ الجاريات الرياح تجري في مهابها، وقيل‏:‏ المقسمات السحب يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد، وقيل‏:‏ هي الكواكب السبعة السيارة وقول باطل لا يقول به إلا من زعم أنها مدبرة لعالم الكون والفساد، وفي «صحيح البخاري» عن قتادة

‏"‏ خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء‏.‏ ورجوماً للشياطين‏.‏ وعلامات يهتدي بها فمن تأوّل فيها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا يعلم ‏"‏ وزاد رزين ‏"‏ وما لا علم له به وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة ‏"‏ وعن الربيع مثله وزاذ ‏"‏ والله ما جعل الله تعالى في نجم حياة أحد ولا رزقه ولا موته وإنما يفترون على الله تعالى الكذب ويتعللون بالنجوم ‏"‏ ذكره «صاحب جامع الأصول»، وقد مر الكلام في إبطال ما قاله المنجمون مفصلاً فتذكر، ولعله سيأتي إن شاء الله تعالى شيء من ذلك، وجوز أن يراد بالجميع الرياح فإنها كما تذر وما تذروه تثير السحاب وتحمله، وتجري في الجوّ جرياً سهلاً وتقسم الأمطار بتصريف السحاب في الأقطار والمعول عليه ما روى عن عمر رضي الله تعالى عنه سامعاً له من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه على المنبر وإليه كما نقل عن الزجاج ذهب جميع المفسرين أي المعتبرين، وقول الإمام بعد نقله له عن الأمير‏:‏ الأقرب أن تحمل هذه الصفات الأربع على الرياح جسارة عظيمة على ما لا يسلم له، وجهل منه بما رواه ابن المسيب من الخبر الدال على أن ذلك تفسير النبي صلى الله عليه وسلم فأين منه الإمام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه‏.‏

وقول «صاحب الكشف»‏:‏ إنه شديد الطباق للمقام ولذا آثره الإمام لا أسله له أيضاً إذا صح الحديث ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات كما في المعول عليه فالفاء للترتيب في الأقسام ذكراً ورتبة باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على كمال قدرته عز وجل، وهذا التفاوت إما على الترقي أو التنزل لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه وأدنى من آخر إذا نظر لها ذو نظر صحيح، وقيل‏:‏ الترتيب بالنظر إلى الأقرب فالأقرب منا، وإن حملت على واحد وهو الرياح فهي لترتيب الأفعال والصفات إذ الريح تذر الأبخرة إلى الجو أولاً حتى تنعقد سحاباً فتحمله ثانياً وتجري به ثالثاً ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله تعالى ثم تقسم أمطاره، وقيل‏:‏ إذا حملت الذاريات والحاملات على النساء، فالظاهر أنها للتفاوت في الدلالة على كمال القدرة فتدبر‏.‏

ونصب ‏{‏والذريات ذَرْواً‏}‏ على أنه مفعول مطلق، ‏{‏ووقراً‏}‏ على أنه مفعول به، وجوز الإمام أن يكون من باب ضربته سوطاً، و‏{‏أَمْرِنَا يُسْراً‏}‏ على أنه صفة مصدر محذوف بتقدير مضاف أي جرياً ذا يسر، أو على أنه حال أي ميسرة كما نقل عن سيبويه، و‏{‏أمْراً‏}‏ على أنه مفعوله به وهو واحد الأمور، وقد أريد به الجمع ولم يعبر به لأن الفرد أنسب برؤوس الآي مع ظهور الأمر، وقيل‏:‏ على أنه حال أي مأمورة، والمفعول به محذوف أو الوصف منزل منزلة اللازم أي تفعل التقسيم مأمورة، وقرأ أبو عمرو‏.‏

وحمزة ‏{‏والذريات ذَرْواً‏}‏ بادغام التاء في الذال، وقرىء ‏{‏وِقْراً‏}‏ بفتح الواو على أنه مصدر وقره إذا حمله كما أفاده كلام الزمخشري وناهيك به إماماً في اللغة، وعلى هذا هو منصوب على أنه مفعول به أيضاً على تسمية المحمول بالمصدر أو على أنه مفعول مطلق لحاملات من معناها كأنه قيل‏:‏ فالحاملات حملاً‏.‏ وقوله تعالى شأنه‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5 - 6‏]‏

‏{‏إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ‏(‏5‏)‏ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ‏}‏ جواب للقسم، و‏{‏مَا‏}‏ موصولة والعائد محذوف أي إن الذي توعدونه، أو توعدون به، ويحتمل أن تكون مصدرية أي إن وعدكم، أو وعيدكم إذ توعدون يحتمل أن يكون مضارع وعد، وأن يكون مضارع أوعد، ولعل الثاني أنسب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 45‏]‏ ولأن المقصود التخويف والتهويل، وعن مجاهد أن الآية في الكفار وهو يؤيد الوعيد ومعنى صدقه تحقق وقوعه، وفي «الكشاف» وعد صادق كعيشة راضية و‏{‏الدين‏}‏ الجزاء ووقوعه حصوله، والأكثرون على أن الموعود هو البعث، وفي تخصيص المذكورات بالإقسام بها رمز إلى شهادتها بتحقق الجملة المقسم عليها من حيث أنها أمور بديعة فمن قدر عليها فهو قادر على تحقيق البعث الموعود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏والسماء ذَاتِ الحبك‏}‏ أي الطرق جمع حبيكة كطريقة، أو حباك كمثال ومثل، ويقال‏:‏ حبك الماء للتكسر الجاري فيه إذ مرت عليه الريح، وعليه قول زهير يصف غديراً‏:‏ مكلل بأصول النجم تنسجه *** ريح خريق لضاحي مائه حبك

وحبك الشعر لآثار تثنيه وتكسره، وتفسيرها بذلك مروي عن مقاتل‏.‏ والكلبي‏.‏ والضحاك، والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة وهي ما تدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته جل شأنه إذا تأملها الناظر، وقال ابن عباس‏.‏ وقتادة‏.‏ وعكرمة‏.‏ ومجاهد‏.‏ والربيع‏:‏ ذات الخلق المستوى الجيد، وفي رواية أخرى عن مجاهد المتقنة البنيان، وقيل‏:‏ ذات الصفاقة وهي أقوال متقاربة وكأن الحبك عليها من قولهم‏:‏ حبكت الشيء أحكمته وأحسنت عمله وحبكت العقدة أوثقتها، وفرس محبوك المعاقم وهي المفاصل أي محكمها، وفي «الكشف» أصل الحباكة الصفاقة وجودة الأثر، وعن الحسن حبكها نجومها، والظاهر أن إطلاق الحبك على النجوم مجاز لأنها تزين السماء كما يزين الثوب الموشى حبكه وطرائق وشيه فكأنه قيل‏:‏ ذات النجوم التي هي كالحبك أي الطرائق في التزيين، واستظهر في السماء أنه جنس أريد به جميع السموات وكون كل واحدة منها ذات حبك بمعنى مستوية الخلق جيدته، أو متقنة البنيان أو صفيقة، أو ذات طرق معقولة ظاهر، وأما كون كل منها كذلك بمعنى ذات طرق محسوسة فباعتبار أن الكواكب في أي سماء كانت تسير مسامتة لسائر السموات، فممراتها باعتبار المسامتة طرق، وبمعنى ذات النجوم فباعتبار أن النجوم في أي سماء كانت تشاهد في سائر السموات بناءاً على أن السموات شفاقة لا يحجب كل منها إدراك ما وراءه، وأخرج ابن منيع عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال‏:‏ هي السماء السابعة، وعن عبد الله بن عمرو مثله فتدبر ولا تغفل‏.‏

وقرأ ابن عباس‏.‏ والحسن بخلاف عنه‏.‏ وأبو مالك الغفاري‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وابن أبي عبلة‏.‏ وأبو السماء‏.‏ ونعيم عن أبي عمرو الحبك بإسكان الباء على زنة القفل، وعكرمة بفتحها جمع حبكة مثل طرفة وطرف وبرقة وبرق، وأبو مالك الغفاري‏.‏ والحسن بخلاف عنه أيضاً بكسر الحاء والباء كالإبل وهو على ما ذكر الخفاجي اسم مفرد ورد على هذا الوزن شذوذاً وليس جمعاً، وأبو مالك‏.‏ والحسن‏.‏ وأبو حيوة أيضاً بكسر الحاء وإسكان الباء كالسلك وهو تخفيف فعل مكسور الفاء والعين وهو اسم مفرد لا جمع لأن فعللاً ليس من أبنية الجموع قاله في البحر وابن عباس‏.‏ وأبو مالك أيضاً بفتحهما كالجبل قال أبو الفضل الرازي فهو جمع حبكة مثل عقبة وعقب، والحسن أيضاً بكسر الحاء وفتح الباء كالنعم، وأبو مالك أيضاً بكسر الحاء وضم الباء وذكرها ابن عطية عن الحسن أيضاً ثم قال‏:‏ هي قراءة شاذة غير متوجهة وكأن بعد أن كسر الحاء توهم قراءة الجمهور فضم التاء وهذا من تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء أي لأن فيه الانتقال من خفة إلى ثقل على عكس ضرب مبنياً للمفعول، وقال «صاحب اللوامح»‏:‏ هو عديم النظير في العربية في أبنيتها وأوزانها ولا أدري ما وراءه انتهى‏.‏ وعلى التداخل تأول النحاة هذه القراءة، وقال أبو حيان‏:‏ الأحسن عندي أن يكون ذلك مما أتبع فيه حركة الحاء لحركة تاء ‏{‏ذَاتُ‏}‏ في الكسر ولم يعتد بالام الساكنة لأن الساكن حاجز غير حصين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ‏}‏ أي متخالف متناقض في أمر الله عز وجل حيث تقولون‏:‏ إنه جل شأنه خالق السموات والأرض وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه سبحانه، وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فتقولون‏:‏ تارة إنه مجنون، وأخرى إنه ساحر ولا يكون الساحر إلا عاقلاً، وفي أمر الحشر فتقولون‏:‏ تارة لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلاً، وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كلفوا بالايمان به، واقتصر بعضهم على كون القول المختلف في أمره صلى الله عليه وسلم، والجملة جواب القسم ولعل النكتة في ذلك القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها واختلاف هيآتها، أو الإشارة إلى أنها ليست مستوية جيدة، أو ليست قوية محكمة، أو ليس فيها ما يزينها بل فيها ما يشينها من التناقض‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ‏}‏ أي يصرف عن الايمان بما كلفوا الايمان به لدلالة الكلام السابق عليه، وقال الحسن‏.‏ وقتادة‏:‏ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال غير واحد‏:‏ عن القرآن، والكلام السابق مشعر بكل من صرف الصرف الذي لا أشد منه وأعظم؛ ووجه المبالغة من إسناد الفعل إلى من وصف به فلولا غرض المبالغة لكان من توضيح الواضح فكأنه أثبت للمصروف صرف آخر حيث قيل‏:‏ ‏{‏يُصْرَفْ عَنْهُ‏}‏ المصروف فجاءت المبالغة من المضاعفة ثم الإطلاق في المقام الخطابي له مدخل في تقوية أمر المضاعفة وكذلك الإبهام الذي في الموصول، وهو قريب من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 87‏]‏ وقيل‏:‏ المراد ‏{‏يُصْرَفْ عَنْهُ‏}‏ في الوجود الخارجي من ‏{‏صَرَفَ عَنْهُ‏}‏ في علم الله تعالى وقضائه سبحانه، وتعقب بأنه ليس فيه كثير فائدة لأن كل ما هو كائن معلوم أنه ثابت في سابق علمه تعالى الأزلي وليس فيه المبالغة السابقة، وأجيب عن الأول بأن فيه الإشارة إلى أن الحجة البالغة لله عز وجل في صرفه وكفى بذلك فائدة وهو مبني أن العلم تابع للمعلوم فافهمه، وحكى الزهراوي أنه يجوز أن يكون الضمير ‏{‏لِمَا تُوعَدُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏ أو للدين أقسم سبحانه بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق ثم أقسم بالسماء على أنهم في ‏{‏قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ‏}‏ في وقوعه، فمنهم شاك، ومنهم جاحد ثم قال جل وعلا‏:‏ ‏{‏يُؤْفَكُ‏}‏ عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك، وذكر ذلك الزمخشري ولم يعزه، وادعى «صاحب الكشف» أنه أوجه لتلاؤم الكلام، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون الضمير لقول مختلف وعن للتعليل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 53‏]‏

‏)‏‏.‏ ينهون عن أكل وعن شرب *** مثل المها يرتعن في خصب

أي يصرف بسبب ذلك القول المختلف من أراد الإسلام، وقال الزمخشري‏:‏ حقيقته يصدر إفكهم عن القول المختلف، وهذا محتمل لبقاء عن على أصلها من المجاوزة واعتبار التضمين، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير داع مع ذهاب تلك المبالغة، وجوز ابن عطية رجوع الضمير إلى القول إلا أنه قال‏:‏ المعنى يصرف عن ذلك القول المختلف بتوفيق الله تعالى للإسلام من غلبت سعادته، وتعقبه بأن فيه مخالفة للعرف فإن عرف الاستعمال في الإفك الصرف من خير إلى شر فلذلك لا تجده إلا في المذمومين، ثم إن ذلك على كون الخطاب في أنكم للكفار وهو الذي ذهب إليه ابن زيد وغيره واستظهر أبو حيان كونه عاماً للمسلم والكافر، واستظهر العموم فيما سبق أيضاً، والقول المخلف حينئذ قول المسلمين بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقول الكفار بنقيض ذلك، وقرأ ابن جبير‏.‏ وقتادة ‏{‏مَنْ أُفِكَ‏}‏ مبنياً للفاعل أي من أفك الناس عنه وهم قريش، وقرأ زيد بن علي يأفك عنه من أفك أي يصرف الناس عنه من هو أفاك كذاب، وقرىء يؤفن عنه من أفن بالنون فيهما أي يحرمه من حرم من أفن الضرع إذا أنهكه حلباً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏قُتِلَ الخرصون‏}‏ أي الكذابون من أصحاب القول المختلف، وأصل الخرص الظن والتخمين ثم تجوز به عن الكذب لأنه في الغالب يكون منشأ له، وقال الراغب‏:‏ حقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له‏:‏ خرص سواء كان مطابقاً للشيء أو مخالفاً له من حيث أن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولاسماع بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل خارص الثمرة في خرصه، وكل من قال قولاً على هذا النحو قد يسمى كاذباً وإن كان قوله مطابقاً للمقول المخبر به كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاءكَ المنافقون‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 1‏]‏ الآية انتهى‏.‏

وفيه بحث وحقيقة القتل معروفة، والمراد بقتل الدعاء عليهم مع قطع النظر عن المعنى الحقيقي‏.‏

وعن ابن عباس تفسيره باللعن قال ابن الأنباري‏:‏ وإنما كان القتل بمعنى اللعن هنا لأن من لعنه الله تعالى بمنزلة المقتول الهالك، وقرىء قتل الخراصين أي قتل الله الخراصين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏الذين هُمْ فِى غَمْرَةٍ‏}‏ في جهل عظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه ‏{‏ساهون‏}‏ غافلون عما أمروا به، فالمراد بالسهو مطلق الغفلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏يُسْئَلُونَ‏}‏ أي بطريق الاستعجال استهزاءاً ‏{‏أَيَّانَ يَوْمُ الدين‏}‏ معمول ليسألون على أنه جار مجرى يقولون لما فيه من معنى القول، أو لقول مصدر أي فيقولون متى وقوع يوم الجزاء وقدر الوقوع ليكون السؤال عن الحدث كما هو المعروف في ‏{‏أَيَّانَ‏}‏ ولا ضير في جعل الزمان زمانياً فإن اليوم لما جعل موعوداً ومنتظراً في نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يَوْمَ تَأْتِى السماء‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10‏]‏ صار ملحقاً بالزمانيات وكذلك كل يوم له شأن مثل يوم العيد‏.‏ والنيروز وهذا جار في عرفي العرب والعجم على أنه يجوز عند الأشاعرة أن يكون للزمان زمان على ما فصل في مكانه، وقرىء ‏{‏أَيَّانَ‏}‏ بكسر الهمزة وهي لغة‏.‏